فوزي آل سيف

33

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

إلا أن المحيّر عند البعض هو موقف المأمون العباسي من الإمام، فمن جهةٍ ها هو يناظر علمياً عن التشيع ويشيد بفضل أمير المؤمنين علي عليه السلام ويناظر علماء الاتجاه الرسمي في أن عليًّا بن أبي طالب هو الأفضل بعد رسول الله[73] بل ويعتقد - ولو نظرياً - أن أهل البيت قد خصهم الله بخصائص[74] لم توجد في غيرهم، وفي المقابل وجدناه يقتل الإمام الرضا عليه السلام بالسم؟[75] وربما لولا أن الإمام عليًّا الرضا قد أخبره بأن موته - المأمون- وموت الجواد متزامنان ومتجاوران كإصبعيه، ربما كان يقدم على اغتيال الامام الجواد سريعا! وقد فسر الشيخ الكوراني في كتابه الإمام محمد الجواد الأمر بما يلي: أ/ إنه يدخل ضمن الصراع السياسي داخل الأسرة العباسية ويستخدمه المأمون كورقة ضغط عليهم بما يعني أنكم إن لم تلتفوا حولي ستذهب الخلافة منكم. ب/ فيما يرتبط بالجانب الفكري يرى الشيخ الكوراني أن المأمون كان يسعى إلى نظام عباسي بمذهب شيعي علوي، ورأى أنه قام بخطوات عملية في هذا فكتب منشوراً في البراءة من معاوية ولكنه لم يعلنه خوفاً من الاتجاه العام وبقي هذا المنشور إلى أن أخرجه المعتضد العباسي. ج/ وفي نهاية الأمر يلخص موقف المأمون بأنه كان شيعياً من الناحية النظرية، وعدوًّا لأئمة العترة وشيعتهم عملياً[76]. وأما أسوأ المواقف فهو موقف المعتصم العباسي الذي خلف أخاه المأمون في الخلافة والحكم، فإنه بطبيعته المبنية على الجهل وكره المعارف العلمية[77] كما سيأتي أثناء الحديث عن سيرة الامام علي الهادي حيث عاصره الفترة الأكثر، فلم يكن تفوق الامام الجواد العلمي يعني شيئا بالنسبة له، بالإضافة إلى ما تطبع عليه من نشأة عسكرية كما يذكر المؤرخون، فلم يكن يمارس أي نوع من المداراة والتعامل الحسن مع الإمام الجواد خاصة وأنه كان يصنفه على (أعدائه) ومنافسي حكمه وعائلته، فكان أن اتخذ مواقف متشددة من الإمام عليه السلام انتهت باغتيال الإمام كما سيأتي.

--> 73 تنقل مناظرة كانت بين المأمون وبين (علماء البلاط العباسي إسحاق بن إبراهيم ومعه أربعون من الفقهاء وأهل العلم) كما نقلها السيد المرعشي في كتاب شرح إحقاق الحق، ٣/ 28 بتفصيلها عن العقد الفريد في أن عليًّا عليه السلام أفضل الخلق بعد النبي قال: إن أمير المؤمنين يَدين الله على أن عليّ بن أبي طالب خيرُ خلق الله بعد رسوله صلى الله عليه وآله وأولى الناس بالخلافة. قال إسحاق: قلت: يا أمير المؤمنين إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في عليّ، وقد دعانا أمير المؤمنين للمُناظرة. فقال: يا إسحاق، اختر إن شئت أن أسألك وإن شئت أن تسأل. قال إسحاق: فاغتنمتها منه، فقلت: بل أسألك يا أمير المؤمنين. قال: سَل. قلت: من أين قال أَميرُ المؤمنين إن عليَّ بن أبي طالب أفضلُ الناس بعد رسول الله وأحقُّهم بالخلافة بعده؟ قال: يا إسحاق، خبِّرني عن الناس بم يتفاضلون حتى يُقال فلان أفضل من فلان؟ قلت: بالأعمال الصالحة. قال: صدقت.. إلى آخر المناظرة التي ثبت فيها فضله على من سواه. 74 المفيد: الإرشاد: 2 / 287، وابن شهراشوب في المناقب: 3 / 488.. قال المأمون: ويحكم إني أعرف به منكم وإن أهل هذا البيت علمهم من الله ومواده وإلهامه، فإن شئتم فامتحنوه!. 75 راجع كتابنا عالم آل محمد: الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. 76 الكوراني: الإمام محمد الجواد عليه السلام ١١٥ 77 ابن كثير (ت ٧٧٤) البداية والنهاية ط هجر ١٤/‏٢٨٤ وكانَ أُمِّيًّا لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ، وكانَ سَبَبَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَتَرَدَّدُ مَعَهُ إلى الكُتّابِ غُلامٌ، فَماتَ الغُلامُ، فَقالَ لَهُ أبُوهُ الرَّشِيدُ: ما فَعَلَ غُلامُكَ؟ قالَ: ماتَ واسْتَراحَ مِنَ الكُتّابِ. فَقالَ لَهُ أبُوهُ الرَّشِيدُ: وقَدْ بَلَغَ مِنكَ كَراهَةُ الكُتّابِ إلى أنْ تَجْعَلَ المَوْتَ راحَةً مِنهُ؟ واللَّهِ يا بُنَيَّ لا تَذْهَبُ إلى الكُتّابِ بَعْدَها. فَتَرَكُوهُ فَكانَ أُمِّيًّا، وقِيلَ: بَلْ كانَ يَكْتُبُ كِتابَةً ضَعِيفَةً.